أحمد بن علي القلقشندي

324

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صنيعة ، وربّة جمال منيعة ، وبعيدة الرّمي بديعة : - من كلّ قوس هي في العين كالحاجب ، أو النّون التي أجادها الكاتب ؛ تدوّر الطائر عند الرّمي وتذيبه ، وتئنّ أنينا أولى به من تصيبه . وبندق جبلت طينته على صوب الصّواب ، يستنزل الطَّير ولو استتر بذيل السحاب ؛ كأنه النّجم الثّاقب ، والشّهاب الصّائب ؛ يرى الطَّير كالسحاب الواكف ، فينقضّ عليه انقضاض البرق الخاطف ، ويرجع النّسر من حتفه راتعا ، ويغدو بعد أن كان طائرا واقعا ، ويصير بعد أن كان كاسرا مكسورا ، وفي سوار القسيّ مأسورا ؛ فهنالك يلفى الغالب وهو مغلوب ، والطير الواجب وهو مندوب ؛ فحينئذ تنشرح النفوس ، وتطرب ولا طربها بالكؤوس . ولما كان بهذه المنزلة العظيمة ، والمرتبة الجسيمة ، تعاطته الملوك وأبناء الملوك ، ونظموا عقده بحسن السّلوك ( 1 ) ، وارتاضت به النفوس الطاهرة ، واعتاضت به عن الكؤوس الدّائرة ، ورأت به تكميل الأدوات ، وسامت به فعل الواجب وإن قيل : إنّ ذلك من الهفوات ؛ فهو تعب تنشأ الراحة عنه ، ولعب لم يكن شيء أشبه بالجدّ منه . فلذلك قصد الجناب الكريم ، العاليّ ، الصّلاحيّ ، صلاح الدّنيا والدين ، ونجاح الطَّالبين ، سليل الوزراء ، ونجل الكبراء ، وصدر الرؤساء ، وعين العظماء ، ابن المقرّ المحيويّ بن فضل اللَّه ، أدام اللَّه تعالى علاه ،

--> ( 1 ) كان لرماة البندق في العصر العباسي زيّ خاص يمتاز بسراويل كانوا يلبسونها ويسمونها سراويل الفتوة . ولما أفضت الخلافة إلى الناصر لدين اللَّه العباسي المتوفى سنة 621 ه جعل لرمي البندق شأنا ، وكان يلبس سراويل الفتوة . وقد بلغ من رغبته فيه أن جعل رمي البندق فنا لا يتعاطاه إلا الذين يشربون كأس الفتوة ويلبسون سراويلها ، على أن يكون بينهم روابط وثيقة ، نحو ما عند بعض الجمعيات السرية . وجعل نفسه رئيس هذه الطائفة ، يدخل فيها من شاء ويحرم من شاء . وكتب سنة 607 ه إلى ملوك الأطراف الذين يعترفون بخلافته أن يشربوا له كأس الفتوة ويلبسوا سراويلها ، وأن ينتسبوا إليه برمي البندق ويجعلوه قدوتهم فيه ، فأجابوه إلى ذلك ، فمن أراد الانتظام في سلك هذه الطائفة يأتي بغداد فيلبسه الخليفة السراويل بنفسه . ( تاريخ التمدن الإسلامي : 5 / 180 - 181 ) .